آخر الأخبار
أخبار

التجنيس الإداري وحده لا يُنشئ أهلية رياضية: قراءة في الأسس القانونية لشكوى المريخ ضد الهلال

التجنيس الإداري وحده لا يُنشئ أهلية رياضية: قراءة في الأسس القانونية لشكوى المريخ ضد الهلال

خاص / الرد كاسل

أثارت الشكوى التي تقدم بها نادي المريخ السوداني ضد نادي الهلال تساؤلات قانونية جوهرية تستحق الدراسة المعمّقة، إذ تمس مسألة بالغة الدقة كثيراً ما يُخلط فيها بين مفهومين متمايزين تمام التمايز: الجنسية المدنية والأهلية الرياضية الدولية. وهذا الخلط ليس بريئاً في سياق الشكوى المطروحة، بل هو في جوهره الثغرة التي ولجت منها المخالفة المنسوبة لنادي الهلال وهي مخالفة الحد الأقصى لعدد اللاعبين غير السودانيين المسموح بإشراكهم في آن واحد خلال المباراة الرسمية.

الجنسية شرط لازم لكنه غير كافٍ

يقوم الأساس القانوني المحلي لهذه الشكوى على التعريف الوارد في لائحة أوضاع وانتقالات اللاعبين لسنة 2018م المعدَّلة بتعميم الاتحاد العام لكرة القدم السوداني الصادر بتاريخ 2022/6/29، والذي حدّد اللاعب السوداني بأنه (اللاعب الذي تسمح له اللوائح الدولية بالمشاركة مع إحدى المنتخبات الوطنية السودانية ويحمل الجنسية السودانية)، فيما عرّف اللاعب غير السوداني بأنه (اللاعب الذي لا تسمح له اللوائح الدولية بالمشاركة مع أي من المنتخبات الوطنية السودانية ولا يحمل الجنسية السودانية). والنتيجة التي لا مناص منها هي أن الجنسية السودانية ركن لازم غير كافٍ وحده، إذ يُضيف التعريف إليه ركناً دولياً لا غنى عنه هو إذن اللوائح الدولية بتمثيل المنتخبات الوطنية السودانية، وغياب هذا الركن يُبقي اللاعب مصنَّفاً غير سوداني حتى لو حمل جواز سفر سودانياً أو صدر بحقه قرار تجنيس وطني بأي صفة كانت. وتُؤكّد المادة (38) من اللائحة ذاتها هذا المعنى إذ تنص صراحةً على أنه (يجوز تغيير تصنيف اللاعب من غير سوداني إلى سوداني إذا كانت لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم تسمح له بالمشاركة مع أي من المنتخبات الوطنية السودانية)، وهو نص يجعل إذن الفيفا الشرط الوحيد المحرك لتغيير التصنيف لا القرار الوطني للتجنيس. وتكتمل المنظومة المحلية بالمادة (61) الفقرة (ب) المضافة بتعميم 2022 التي تنص على أنه (في الحالات التي لا يرد فيها نص في هذه اللائحة تطبَّق عليها أحكام اللائحة الدولية لأوضاع وانتقالات اللاعبين الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مما يجعل لوائح الفيفا مرجعاً استكمالياً ملزماً لا اختيارياً.

الجنسية الرياضية نظام مستقل عن الجنسية المدنية

قبل الخوض في نصوص لائحة الفيفا، تجدر الإشارة إلى أن محكمة التحكيم الرياضي الدولية أرست مبدأً راسخاً يقضي بأن الجنسية المدنية والأهلية الرياضية نظامان قانونيان مستقلان لا يتداخلان ولا يتعارضان. وقد اكتسبت هذه المبادئ قوتها التشريعية الملزمة بتضمينها في لوائح الفيفا المعدَّلة إثر إصلاح سبتمبر 2020. وقد أوضح التعليق الرسمي على لائحة RGAS الصادر في يناير 2021 في الفقرة الحادية عشرة أن الجنسية المكتسبة عبر عملية تجنيس تشمل حكماً كل حالة يُمنح فيها اللاعب الجنسية عبر قرار مسؤول حكومي أو هيئة رسمية أو رئيس دولة، مما يعني أن التصديق الرئاسي على التجنيس يُدرج اللاعب في إطار المادة السابعة من لائحة RGAS لا المادة الخامسة وحدها.

المادة السابعة من لائحة الفيفا RGAS: النص الحاسم

تنص المادة السابعة على أن كل لاعب يستند إلى المادة الخامسة الفقرة الأولى لاكتساب جنسية جديدة ولم يسبق له المشاركة في مباريات دولية رسمية بموجب المادة الخامسة الفقرة الثالثة، لا يحق له تمثيل المنتخبات الوطنية للاتحاد الجديد إلا إذا استوفى أحد الشروط الآتية: أن يكون قد وُلد على إقليم الاتحاد المعني وفق البند (أ)، أو أن يكون والده أو والدته البيولوجيان قد وُلد أحدهما على الإقليم وفق البند (ب)، أو أن يكون جده أو جدته قد وُلدا على الإقليم وفق البند (ج)، أو أن يكون قد أقام على إقليم الاتحاد المعني إقامة فعلية متواصلة لمدة لا تقل عن خمس سنوات من سن الثامنة عشرة وفق البند (د/ثالثاً). وأكّد التعليق الرسمي على هذه المادة في الفقرة (45) أنه بالإضافة إلى حيازة الجنسية فإن اللاعب الخاضع للمادة السابعة (لا يحق له تمثيل المنتخبات الوطنية للاتحاد المعني إلا إذا استوفى واحداً على الأقل من شروط الرابط الحقيقي الواردة في المادة السابعة الفقرة الأولى من البند أ إلى البند د). والمعيار الرابع المتعلق بالإقامة لا يتحقق بمجرد وجود بند تعاقدي يُقيم اللاعب إقامة اعتبارية أو شكلية، فالتعليق الرسمي على المادة الخامسة الفقرة الخامسة صريح في أن اللاعب يجب أن يكون حاضراً فعلياً على إقليم الاتحاد لمدة لا تقل عن مئة وثلاثة وثمانين يوماً خلال اثني عشر شهراً كي يُعدّ مقيماً فيه لأغراض هذه اللائحة، وأن الإقامة الرسمية المسجَّلة دون حضور فعلي لا تُعدّ إقامة معتبرة.

المادة التاسعة من لائحة الفيفا RGAS: حالة اللاعب ذي السجل الدولي السابق

تعقد المسألة أكثر حين يكون اللاعب المجنَّس ذا سجل دولي رياضي لدولة أخرى. تنص المادة التاسعة على أن اللاعب لا يحق له إلا مرة واحدة طلب تغيير الاتحاد الذي يحق له تمثيله إلى اتحاد دولة أخرى يحمل جنسيتها، وتحصر الفقرة الثانية من هذه المادة حالات تغيير الانتماء التمثيلي في خمس حالات وصفها التعليق الرسمي في الفقرة (60) بأنها حصرية لا استثناء فيها. والأهم من ذلك أن الفقرة السابعة من المادة التاسعة تنص على أن اللاعب الذي تقدّم بطلب وفق هذه المادة (لا يحق له المشاركة مع أي منتخب تمثيلي إلى أن يُبَتَّ في الطلب)، مما يعني أن أي لاعب ذي سجل دولي يظل محظور الأهلية لأي منتخب كان حتى صدور قرار مسبق من لجنة أوضاع اللاعبين بالفيفا.

مسؤولية النادي المسبقة في التحقق من الأهلية

لعل أبلغ ما يتوقف عنده في هذه القضية ما أوضحه التعليق الرسمي على المادة الخامسة في الفقرة (22/1) من أن الاتحاد الذي يرغب في إشراك لاعب في منتخبه يتحمل مسؤولية التحقق المسبق من أهليته، وأن الاتحاد مسؤول عن إشراك اللاعبين المؤهلين فحسب. وأضاف التعليق ذاته في الفقرة (22/2) أن المادة الثانية والعشرين من قانون الانضباط الصادر عن الفيفا تُجيز معاقبة الاتحاد الذي يُشرك لاعباً غير مؤهل، وهذا ما أكّدته أحكام عديدة صادرة عن محكمة التحكيم الرياضي الدولية. والمبدأ ذاته ينسحب على النادي في سياق المنافسات المحلية من حيث اشتراط التحقق المسبق من التصنيف الرسمي للاعب (سوداني أو غير سوداني) قبل إشراكه في المباريات، وهو ما أغفله نادي الهلال حين اكتفى بالتصديق الرئاسي على التجنيس دون أن يتثبت من استيفاء شروط المادة السابعة من اللائحة الدولية ودون أن يحصل على الإقرار الدولي المطلوب من (فيفا).

المخالفة قائمة والشكوى على سند

الفقرة (17) من المادة (6) من لائحة المسابقات المحلية حددت مشاركة الأجانب بخمسة فقط داخل الملعب، ما يعني أن أي نادٍ يشرك عدد زائد، تُعدّ مشاركته غير قانونية وتترتب عليها العقوبات المقررة. فإذا ثبت أن نادي الهلال شارك في الشوط الثاني بستة لاعبين يحمل بعضهم جنسيات سودانية مكتسبة بقرارات تصديق رئاسي دون استيفاء شروط المادة السابعة من لائحة RGAS ودون الحصول على الإقرار المسبق من الفيفا، فإن هؤلاء يظلون مصنَّفين قانوناً لاعبين غير سودانيين وفق المادة (38) من لائحة أوضاع اللاعبين المحلية، ويُعدّ إشراكهم الزائد عن الحد المقرر في لائحة المسابقات، مخالفةً صريحة تستوجب إسناد نقاط المباراة لنادي المريخ وإحالة الملف للجنة الانضباط.

ما يجب على لجنة المسابقات فعله

الفصل السليم في هذه الشكوى يستلزم من لجنة المسابقات بالاتحاد السوداني منهجية تحقيقية محددة لا يصح الحكم دونها. فعلى اللجنة التثبت أولاً من التصنيف الرسمي للاعبين المعنيين في منظومة DTMS، إذ لا يُعتدّ بأي تصنيف لم يُدخَل فيها قبل المباراة. وفي حال تمسّك نادي الهلال بدفع التصنيف السوداني استناداً لقرارات التصديق الرئاسي، وجب على اللجنة المطالبة بوثيقة الإقرار الصادرة عن لجنة أوضاع اللاعبين بالفيفا لكل لاعب على حدة إثباتاً لاستيفاء معايير المادة السابعة من لائحة RGAS، فإن تعذّر تقديمها سقط الدفع قانوناً بمفهوم المخالفة للمادة (38) من اللائحة المحلية. كما يتعين على اللجنة مراجعة السجل الدولي لكل لاعب للتثبت مما إذا كان قد سبق له تمثيل منتخب دولة أخرى، إذ إن ثبوت ذلك يُفعّل أحكام المادة التاسعة من لائحة RGAS بشروطها المشدَّدة وينفي الأهلية بصورة قاطعة ما لم يصدر قرار مسبق من الفيفا. وأي إخلال بهذه الإجراءات التحقيقية سيُعرّض قرار اللجنة للطعن المبرر أمام لجنة الإستئنافات بالاتحاد وصولاً إلى محكمة التحكيم الرياضي الدولية، أما حالة اتباعها، فالثابت أن شكوى المريخ تستند إلى أساس قانوني سليم وراسخ ما يستوجب حصوله على نقاط المباراة واعتبار الهلال خاسراً (0/2).

تكشف هذه القضية في مجملها أن المنظومة التشريعية لكرة القدم السودانية أحسنت في تعديلات 2022 حين ربطت التعريف المحلي للاعب السوداني بالمعيار الدولي للأهلية الرياضية لا بالمعيار الإداري (الجنسية) وحده، مستنيرةً بالمبادئ الراسخة في لوائح الفيفا وأحكام محكمة التحكيم الرياضي الدولية.. بينما أخطأت الأندية في عدم الإلتزام بتلك التشريعات، واخطأت لجنة أوضاع اللاعبين في عدم القيام بمسئوليتها في التحقق والتأكد من إلتزام الأندية بنصوص القانون، وهو ما يتطلب من لجنة المسابقات ومن بعدها الإستئنافات الإلتزام بتطبيق صارم لنصوص المواد المشار إليها، لتصون بذلك نزاهة المنافسة السودانية وتُثبت أن سيادة القانون في الملاعب السودانية ليست شعاراً بل واقعٌ ملموس تحكمه نصوص واضحة لا تقبل التأويل.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!